مشروع البناء الوطني في أفق الانتقال الديمقراطي: الرؤية والآليات
مشروع البناء
الوطني في أفق
الانتقال الديمقراطي:
الرؤية والآليات
ملاحظة
تمثل هذه الورقة خلاصة من النقاشات طويلة, إنطلق بها العمل على وضع أسس حزب "البناء الوطني" ,و بناء عليها صيغ البيان التأسيسي فيما بعد.
التقديم
البناء الوطني مشروع سياسي ذو توجهات
اجتماعية، يلبي الحاجة المتبلورة في هذه المرحلة من تاريخ تونس لقوة سياسية تعبر عن
تطلعات كل التونسيين بغض النظر عن إنتمائهم الجهوي أو العمري أو الجنسي ولا حتى الإيديولوجي. و هذا أمر لا يتحقق إلا من خلال الاشتغال
على بلورة مشروع جامع يرتكز على الثوابت الوطنية، يخرج بتونس من الصعوبات التي تواجهها
حاليا ويضعها على طريق البناء الوطني الصلب.
فعندما نتحدث عن الانتقال الديمقراطي في تونس، ليس مسلما به مجال هذا الانتقال
ولا آلياته. إذ المشهد السياسي المتشكل قبل الثورة سلطة ومعارضة، بصدد التحول إلى فضاء
لهذا التغيير العميق في الواقع التونسي
لما بعد الثورة. لذلك فإن الصورة الذهنية المستقبلية للديمقراطية التونسية الناشئة
ستضع على الأحرف نقاط هذا التحول وعلاماته. فمن بين ما تقوم عليه الديمقراطيات في العالم،
التوازن المعقول بين القوى السياسية والحزبية لأن لا تداول سلمي وسلس على السلطة (وهو
أساس العملية الديمقراطية) دون وجود قوى متعددة تمتلك فرص متقاربة للتنافس السياسي.
كما لا حريات ولا حقوق
مضمونة دون تنظيم لفضاءات العمل العام وتمايز كل فضاء بمجال اختصاصه دونا عن غيره،
فلا يتحول الإعلامي إلى سياسي ولا السياسي إلى ثقافي وهكذا.
ويبقى شرط نجاح العملية
الديمقراطية عموما الأرضية القيمية والثقافية المشتركة التي تتنافس فوقها مختلف الأحزاب.
فالأحزاب والقوى السياسية
التي ستستجيب لمقتضيات هذه الصورة (التنافسيّة – الأرضية المجتمعيّة – تبني القيم الديمقراطية)
ستتوفر لها فرصة لحجز مكان في المشهد السياسي، والتي ستتمحور حول ذاتها وترفض أية إمكانية
للتكيف مع المتغيرات ستبقى حبيسة حاضرها الذي
سيتحول بسرعة إلى ماضي مترهّل في المستقبل.
ولأن الفراغ محال في
نمط الوجود الإنساني، وفي ظل ما تعيشه كثير من الأحزاب من صعوبات تعيقها عن التأهل
لتقوم بدورها الطبيعي في العملية السياسية فإن الواقع بصدد إفراز قوى جديدة تستطيع
أن تقوم بوظائفها التأطيرية والتنافسية واستعادة المسار الثوري المغيّب وإنجاح مطالبه.
هذا مع الملاحظة أن البيئة السياسية التونسية الراهنة، وفي ظل استمرار العقم
السياسي الذي تعيشه، بصدد التحول السريع إلى فضاء محفز للمغامرين من سياسيين وغيرهم
من الذين قد يدفعهم طموحهم إلى أن يحوّلوا ربيع الثورة التونسية إلى خريف
ديكتاتوري
حزين
1. الثورة و مسار الإنتقال الديمقراطي
تعاقبت ثلاث
مراحل في مسار الانتقال الديمقراطي في تونس:
§ مرحلة تثبيت المطالب: من 14 جانفي 2011 إلى انتخابات المجلس
التأسيسي 23 أكتوبر 2011.
§ مرحلة إعداد مستلزمات النظام الديمقراطي: من 23 اكتوبر
2011 الى الانتخابات القادمة.
§ استمرار حالة الانتقال واللااستقرار الى ما بعد الانتخابات
القادمة، وحتى تحقق شروط الاستقرار السياسي والاقتصادي-الاجتماعي (قوى سياسية متوازنة
- تداول سلمي على السلطة - تحقق حد معقول من التنمية والخروج من الأزمة الاقتصادية
الحالية).
1.
قراءة في ثورة 17-14
جانفي 2011
أهم ما ميّز ثورة الحرية والكرامة مجموعة من الخصائص:
§ خصائص الثورة في لحظتها الحينية : العفوية – السلمية – الفجئية
– السرعة.
إذ لم تكن للثورة قيادة واضحة ومباشرة، ولا هي التجأت للعنف
لإسقاط النظام رغم القمع الذي واجهها، وعمق الأزمة التي عانى منها الشعب التونسي. كما
لا احد توقع اندلاع هذه الثورة ولا ادرك بالمسبق منتهاها.
ثورة ذات أهداف متصاعدة: انطلقت من التعبير عن التعاطف والتضامن مع مأساة فردية
لتتحول إلى مطالب التشغيل والتنمية المتوازنة بين الجهات والعدالة الاجتماعية ثم إلى
المطالبة بإسقاط النظام السياسي برمته ورفع شعارات الحرية والكرامة الوطنية
والعدالة الاجتماعية.
§ ثورة طلائعيّة جرّت ورائها النخبة التونسية من ناشطي الأحزاب
والشخصيات العامة التي بقيت مترددة في السير على نسق الثورة تشكيكا في قدرتها على النجاح
وتخوفا من ردّ فعل السلطة القمعي تجاهها. فكلما حاولت هذه النخب رفع سقف مطالبها السياسية
كلما اكتشفت أن هذه الثورة قد تجاوزت هذا السقف وفرضت مستوى أعلى من المطالب. وقلة
نادرة من هؤلاء حسمت موقفها بسرعة واستطاعت أن تستلهم من روح هذه الثورة وزخمها ما
جعلها تكتشف ممكنات فعلها مبكرا.
§ ثورة ذكيّة لم تستحوذ عليها مشاعر العدمية والراديكالية لتتوسع
في مطالبها الثورية إلى حد إلغاء الدولة التونسية ومؤسساتها الإدارية ونظمها القانونية
ومرافقها العامة. بل مدت يدها بعناية كبيرة إلى سرطان الاستبداد والفساد وطالبت باستئصاله
متمثلا في رئيس الدولة ومحيطه الفاسد، حزب التجمع الدستوري الديمقراطي أداة التعبئة
والتأطير للنظام السابق، كما طالبت بتغيير الدستور الذي خرمته التعديلات الظالمة التي
بررت انتهاك حقوق الإنسان والديمقراطية وحماية المفسدين.
§ ثورة رفعت شعار الاستقلال الثاني كتعبير عن رفضها للوصاية
الخارجية وتأثيرها على مسار الثورة بما في ذلك ادانتها للدعم الذي قدمته بعض الدول
للنظام السابق لقمع الشعب التونسي. كما برزت مواقف واضحة ضد التعاون السياسي والاقتصادي
والأمني الذي ينتهك السيادة الوطنية التونسية ويضيع مصالح المواطنين التونسيين.
ان التوقف عند بعض هذه الملامح لثورة الحرية والكرامة إنما هو من منطلق تقديم
فهم أعمق لمجرياتها بما يساعد على الوصول للوضعية السياسية الحالية وكيفية التصرف إزاءها.
فإلى جانب دراسة اللحظة المفجرة للثورة انتهاء بفرار
بن علي، فإننا نسجل أيضا أهم الملاحظات على مسار تحقق مطالب هذه الثورة بعد ثلاث سنوات
من سقوط النظام السابق.
2.
مسار الانتقال الدّيمقراطي
ارتسمت معالم المرحلة الانتقالية، بعد إسقاط حكومة زين العابدين
بن علي، بتأثير من خمسة محطات ثورية وسياسية مفصلية، وذلك رغم الصعوبات التي واجهتها
في مرحلتها الأولى مع حكومة محمد الغنوشي ومحاولة احتواء مطالب الثورة وإعادة إنتاج
منظومة الاستبداد من جديد أو في مرحلتها الثانية أثناء حكومة الباجي قايد السبسي الذي
فتح الباب لعودة الانتهازيين بقوة عبر الهيئة العليا لتحقيق اهداف الثورة أو في التراخي
الذي سجلته حكومة الترويكا بعد انتخابات 23 اكتوبر 2011 في العمل على استحقاقات الثورة:
§ اعتصام القصبة 1: 23 جانفي 2011، طالب المعتصمون بإقالة عدد من وزراء
حكومة محمد الغنوشي الوزير الأول السابق والذين اتهموا بارتباطاتهم بأطراف خارجية ووقوع
رئاسة الحكومة تحت تأثير أوساط مرتبطة ببقايا النظام السابق. وقد تم ذلك بالفعل حيث
جرى تحوير وزاري جزئي وأُبْعِد رموز النظام السابق بمقتضاه عن دوائر التأثير الحكومي.
اعتصام القصبة 2: 26 فيفري 2011، الأكثر تأثيرا على مجريات العملية السياسية
لما بعد ثورة الحرية والكرامة من حيث سقف مطالبه التي رفعت شعار إلغاء دستور 1959 والدعوة
لتشكيل مجلس تأسيسي، والتي استطاعت أن تسقط أيضا حكومة محمد الغنوشي، آخر رئيس وزراء
في عهد النظام السابق، وتشكيل حكومة جديدة برئاسة الباجي قايد السبسي الذي التزم بمطلب
الدعوة لانتخابات المجلس التأسيسي. كما مثلت نتائج هذا الاعتصام مخرجا لازمة دستورية
هددت البلاد بعد أن تبين استحالة تنظيم انتخابات رئاسية خلال الستين يوما التي نص
عليها الدستور القديم وذلك لأسباب لوجستية ولكن كذلك بسبب غياب الاتفاق حول هذا المسار
السياسي وارتفاع خطر إمكانية انتكاس تجربة الانتقال الديمقراطي. فأصدر الرئيس المؤقت
فؤاد المبزع عشية 15مارس 2011 مرسوما رئاسيا
منظما للسّلط المؤقتة جاء في فصله الأوّل ما يلي: "إلى حين مباشرة مجلس وطني تأسيسي
منتخبا انتخابا عامّا، حرّا، مباشرا وسرّيّا حسب مقتضيات نظام انتخابي يصدر للغرض مهامه،
يتم تنظيم السّلط العمومية بالجمهورية التونسية تنظيما مؤقتا وفقا لأحكام هذا المرسوم." مرسوم عدد 14 لسنة 2011 مؤرخ في 23 مارس 2011 يتعلق
بالتنظيم المؤقت للسّلط العمومية.
§ تشكيل "الهيئة العليا لتحقيق أهداف
الثورة والانتقال الديمقراطي": حيث حاولت أن تمثل كل الفسيفساء الفكري والسياسي والاجتماعي
التونسي كما أوكل لها خاصة مهمة صياغة القانون الانتخابي، ولئن احتكمت هذه الهيئة في
تأسيسها لمنطق التوافق واعتبرت التصويت آلية استثنائية جدا عند تعذر تحقق التوافق.
ورغم أن هذا التمشي غاب عن مداولاتها إلاّ أنها استطاعت أن تنجز مهامها في نهاية المطاف.
§ اعتصام القصبة 3: رغم هذه التمشيات السياسية التي كانت تتقدم بالبلاد على طريق
الانتخابات خرج شباب الثورة يوم 14 جويلية 2011 في اعتصام المصير ليرفع شعارات تحصين
الثورة من بقايا النظام السابق وتطهير الإدارة والمحاسبة. إلاّ أنّ هذا الاعتصام ووجه
بعنف امني غير مسبوق في مرحلة ما بعد الثورة واضطر الداعون له إلى إخلاء ساحة القصبة.
لكن رغم هذا القمع غير المبرر فان بعض مطالب
هذا الاعتصام قد وقع تضمينها في الفصل 15 من القانون الانتخابي الذي استثنى رموز النظام
السابق من التنافس على مقاعد المجلس التأسيسي.
§ انتخابات المجلس التأسيسي: في 23 أكتوبر 2011 ، أفضت أوّل انتخابات حرة شفافة ونزيهة في تاريخ الدولة التونسية
إلى تشكّل الكتل السّياسية الرّاهنة. إذ لأوّل مرة تتوفّر الفرصة لبروز حجم كل قوة
سياسية فاعلة في الواقع، ورغم التشويهات العديدة التي جلبها الاستبداد على مختلف أحزاب
المعارضة إلا أن نتائج الانتخابات لم تحمل مفاجئات تذكر.
يتبيّن إذن من خلال هذا العرض لأهم المحطات السياسية التي
عاشتها الثورة التونسية في سنتها الأولى أن مطالب الثورة تشكلت في ثلاثة عناوين رئيسية
وان نسبة النجاح أو الفشل تقاس بمعيار الاستجابة لهذه المطالب:
مطلب إسقاط النظام رموزا ومشروعا سياسيا ومجتمعيا وهياكل
حزبية وجمعياتية وإدارية قائمة عليه. ففرار بن علي
الرئيس السابق يوم 14 جانفي 2011 لم يكن الا حلقة أولى في مسار تحقيق هذا المطلب. والاعتصامات
المتتالية والشعارات المتصاعدة ضمن هذا الحراك الشبابي الثوري تؤكد التمسك بالمضي بالإجراءات
الثورية الى ابعد نقطة يمكن ان تطالها عملية التغيير في عمق منظومة الاستبداد السياسي
والفساد المالي والاداري.
مطلب بناء نظام سياسي جديد ومنفتح تتحقق فيه معاني
الحرية واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون والتداول الديمقراطي على السلطة. وقد اتخذ موضوع الدستور الجديد منطلقا لهذه الدولة الجديدة،
لذلك بدأ العمل مبكرا على توفير الشروط الضرورية لصياغته من خلال تنظيم انتخابات ديمقراطية
وتوخي جملة من التمشيات السياسية والإجرائية.
مطلب التنمية الحقيقية والتشغيل والتوزيع العادل للثروة والتوازن الجهوي. فالنموذج
التنموي التونسي، مفخرة النظام السابق، سقط عند أوّل انكشاف للأوضاع الاجتماعية المتردية لآلاف التونسيين وخاصة من فئة الشباب المتحصل على شهادات
جامعية والذي يعاني من بطالة عويصة، كما ظهر
هذا الإخلال الخطير من خلال التفاوت الفاحش في مستويات الدخل بين الجهات المختلفة
وبين قلة من الأثرياء الجدد وعموم الشعب التونسي.
3. المرحلة التأسيسية وحصيلة تجربة الترويكا
(صياغة الدستور الجديد- تركيز الهيئات المستقلة للإعلام والقضاء
والانتخابات- إعداد قانون انتخابي- إدارة المرحلة الانتقالية- الانطلاق في صياغة منوال
تنموي جديد.)
كان لعدم حصول أية قوة سياسية على الأغلبية المطلقة في المجلس
التأسيسي دورا مباشرا في تقارب قواه الثلاث الرئيسية رغم الاختلاف السياسي والإيديولوجي
بينها. الأمر الذي استلزم اتفاقات واضحة ومكتوبة حول القضايا الرئيسية المطروحة على
الحكومة الجديدة أي:
"قانون التنظيم المؤقت للسلطات العمومية" الذي من المفترض أن يقوم مقام الدستور في تنظيم السلطات العمومية والعلاقة
بين السلطات التنفيذية والتشريعية ثم بين ركني السلطة التنفيذية أي بين رئيس الوزراء
ورئيس الجمهورية. فالمصادقة على "قانون التنظيم المؤقت للسلطات العمومية"
يضع الإطار القانوني والتشريعي والترتيبي لإدارة الدولة خلال ما تبقى من المرحلة الانتقالية
قبل صياغة الدستور وإجازته نهائيا.
برنامج الحكومة الاقتصادي والاجتماعي الذي على
أساسه تحدد الميزانية العامة للدولة حيث تترجم الخيارات فيما يتعلق بالمفاصل الأساسية
للاقتصاد والسياسات الاجتماعية والعلاقات الخارجية. فالمصادقة على "الميزانية
التكميلية لسنة 2012"، كانت الخطوة الثانية الضرورية التي على حكومة الترويكا القيام
بها لترجمة خياراتها التنموية في برنامج اقتصادي واضح.
ترتيبات المجلس التأسيسي وقانونه الداخلي بما يمهد للمصادقة على الدستور وتنظيم الانتخابات القادمة
وتشكيل هيئات الإعلام والقطاع السمعي البصري والقضاء. وان اختارت الترويكا أن لا يمتد
التحالف لموضوع الدستور بل يقتصر فقط على العمل الحكومي.
مثل التوافق حول هذه القضايا الأرضية السياسية والقانونية
لحكومة الترويكا، وتقييم أداء هذه الحكومة يكون بمعيار الالتزام بما جاء في هذه الأرضية
ومدى نجاحها في تنزيلها في الواقع. وفي تقييمنا لأداء حكومة الترويكا نسوق الملاحظات
التالية:
حداثة تجربة العمل الحكومي التشاركي: حيث ظهر ضعف التنسيق بين وزراء الترويكا منذ مناقشة الميزانية
التكميلية لسنة 2012 مما اضطر وزير المالية للاستقالة مبكرا. وبدا كما لو أن كل كتلة
وزارية تدين بالولاء لحزبها أكثر من انضباطها للسياسات الحكومية خاصة في ظل ما ظهر
من ضعف تسييري في رئاسة الحكومة.
ضعف خبرة الطبقة السياسية المتصدرة للحكم في إدارة الدولة لم يمثل حافزا لها للبحث عن حلول بديلة
عن تخبطها الإداري. كما لم يكن باستطاعة المعارضة الأكثر تمزقا والأضعف شعبيا أن تكون
قوة اقتراح مساعدة على تجاوز تحديات المرحلة.
عجز الحكومة عن حسن ترتيب أولوياتها وضعف إرادتها السياسية. اذ بدت الحكومة
مشلولة بالكامل وغير قادرة على بناء رؤية سياسية وتنموية تعبئ لفائدتها المجتمع. وهذا
ما ازداد وضوحا مع ضعف الإرادة السياسية في الالتزام بمطالب الثورة وأهدافها والعجز
2. المنطلقات الاستراتيجية لبناء
المشروع الوطني
إن التفكير في تأسيس حزب سياسي ينطلق من مجموعة من الاعتبارات
الإستراتيجية بعيدة المدى لكنها الأكثر عمقا في تأثيرها:
1.
المنطلق الواقعي:
أوجدت الثورة التونسية مسارات سياسية جديدة لأول مرة تشهدها
البلاد في تاريخها، تنطلق جميعها من التأكيد على ثلاثة مطالب هي: الحرية – الكرامة
– العدالة.
فتونس تعيش منذ بداية سنة 2011 مرحلة مهمة وجديدة في تاريخها.
فالثورة التي دشنت مسارا تحوليا في بنية النظام السياسي التونسي وأسقطت رموز الاستبداد
والفساد الذين استمروا على امتداد عقود طويلة، هذه الثورة لم تكن لتحصل دفعة واحدة
وبالطفرة ونهائيا، إنما كان قدرها ككل الثورات في التاريخ أن تكتنز حيزا لا بأس به
من التحولات. والآن وبعد حوالي اربع سنوات تعيش هذه الثورة حالات من المد والجزر لم
يتبين بعد الحسم في اتجاه سيرها. مازالت المخاطر تحدق بأهداف هذه الثورة وبما يمكن
أن تكون قد حققته من بعض المكاسب، كما يستمر الصراع بين الفرقاء السياسيين والإيديولوجيين
على مواقع ترى هذه القوى أن لها تأثيرا استراتيجيا في فرص حضورها وفاعليتها في المشهد
السياسي. كل ذلك وحكومة الترويكا تواجه ضغطا خارجيا في احد اتجاهين:
- القبول بالاحتواء والاستسلام للاملاءات السياسية والاقتصادية والثقافية الخارجية، بما يرتهن بالكامل القرار الوطني ويعيد البلاد للسياق الجيو- سياسي الذي سيطر عليها طوال العقود الأخيرة.
- مواجهة العزلة الداخلية والدولية بعد توريطها سياسيا واقتصاديا وحتى امنيا، وفرض عزلة عليها بل والعمل على تحريك قوى مضادة لتغييرها لن اقتضى الأمر.
فعلى المستوى الاستراتيجي، لا شك ان معطيات واقعية جديدة
اثرت على المسار الحالي، وطرحت اشكاليات تتعلق بالخيارات الكبرى للمجتمع التونسي على
الصعيد الداخلي والخارجي.
2.
المنطلق التاريخي والثقافي:
على امتداد أكثر من خمسة قرون تبلورت جملة من الثوابت الوطنية
الجغرافية والمذهبية واللغوية والمتعلقة بسمت الشخصية التونسية. اذ بعد اكتمال تعريب البلاد بشكل شبه كامل اثناء
الزحف الهلالي، ظهر منذ بداية الدولة الحسينية مسار سياسي واجتماعي عفوي الى حد كبير
في اتجاه تونستها، فتحددت شيئا فشيئا حدود البلاد الجغرافية والسياسية الحالية مثلما
تبلورت هويتها الثقافية. جاء كل ذلك متزامنا مع مأسسة المذهب المالكي من خلال التدريس
والقضاء والإفتاء بما بلور رؤية متميزة في نمط تدينها، واستقلال إدارتها السياسية عن
الخلافة العثمانية وغيرها من مظاهر تكريس السيادة الوطنية. وهذا ما شجع على تكوين سمت
وطني متميّز عبر عن نفسه من خلال شعور واسع بالانتماء لهذا البلد وبالوحدة المعنوية
التي تجمع سكانه. كما شجع على تشكل شخصية وطنية تفاعلت مع مجمل التغيرات السياسية والثقافية
التي عاشتها تونس طوال هذه القرون. الأمر الذي عزّز اليوم الحاجة للقطع مع المشاريع
الايديولوجية اليسارية واليمينية لصالح تأسيس مشروع سياسي يرتكز على اسس الهوية الوطنية
التونسية وثوابتها.
3.
المنطلق الجيو- استراتيجي:
حيث تلتقي في تونس مجموعة
من الأبعاد كان العربي الإسلامي المغاربي منها والمتوسطي الأوروبي الأعمق تأثيرا سياسيا
ومجتمعيا. ولئن ارتبط البعد المتوسطي بالتنافس التجاري والعسكري فان البعد الحضاري
عبّر باستمرار عن منحى تكاملي جعل من المغرب
العربي العمق الجيو-استراتيجي لتونس، وبوّاتها على العالم العربي والإسلامي مثلما جعل
من البحر المتوسط فضائها الحيوي الذي تنطلق من خلاله في انفتاحها على العالم.
هذا وقد برز منذ معركة
التحرير الوطني في بداية القرن العشرين وعي عميق لدى النخب السياسية بالترابط بين مصير
كل مجتمعات المنطقة المغاربية، لذلك كانت معركة التحرير واحدة في اغلب اقطارها. يبقى
هذا المصير المشترك وهذا التواصل الجغرافي والتداخل التاريخي والوحدة الثقافية بين
مجتمعات هذه المنطقة أقوى مؤسّس للبحث عن ازدهار اقتصادي مشترك بينها في إطار رؤية
تكاملية شاملة.
4.
المنطلق الجيو- استراتيجي:
من المرجح ودون اعتبار التغييرات الفجائية أو غير المتوقعة
أو دخول عناصر جديدة في العملية السياسية، استمرار الوضع الانتقالي لسنوات (بين 7 و10سنوات) وهي المرحلة المفترضة لاستيفاء فرص
الانتقال الديمقراطي نجاحا أو فشلا. والمتوقع تواصل التدحرج التدريجي للقوى السياسية
ما لم تحصل أزمات تسرّع في عملية السقوط وتدفع إلى بروز قوى سياسية ومجتمعية بديلة.
لذلك ستتحول الديمقراطية التوافقية الى ديمقراطية الاحزاب وسيتواصل التنافس
الحزبي الفوقي دون ملامسة عمق الواقع المجتمعي التونسي. مما قد يؤدي الى تفاقم العزلة
المجتمعية للأحزاب وعجزها عن قيامها بمهمتها التأطيرية الرئيسية باعتبارها المؤسس لحياة
مواطنية تشاركية، فتتكرس بذلك ديمقراطية شكلية تزيد في عمق الازمة
المجتمعية وتخلق فراغات خطيرة داخل المجتمع.
ان عدم وضوح الرؤية
الاستراتيجية لمجموعة مؤثرة من الفاعلين السياسيين في الساحة جعل أدائهم الحيني يعاني
من الارباك وهذا بدوره سيكون له مفعول سلبي في المستقبل الذي قد يتحدد اذا استمر الوضع
على ما هو عليه الان بعيدا عن ارادة الفاعلين الحاليين. وخاصة في ظل استمرار عدم قدرة اي طرف على حسم معركة
موازين القوى لصالحه بشكل نهائي ولو مرحليا.
ينطلق العمل على بناء المشروع الوطني من الحاجة لنشأة قوة سياسية ذات انتشار
واسع ومتصالحة مع الشعب التونسي وفي مستوى انتظاراته. الامر الذي سيمثل احد العوامل
المهمة في الوصول بالانتقال الديمقراطي إلى تحقيق أهدافه.
3. المنطلقات المرحلية لبناء المشروع
الوطني
1.
المشهد الحزبي:
انقسام حاد بين الأحزاب
وارتهان أكثرها حضورا لمرجعيات ايديولوجية ورؤى سياسية لا تستجيب لانتظارات المواطنين.
زيادة على التهرم القيادي والاهتراء الداخلي الذي تعيشه والذي يمنعها من الانفتاح على
الطاقات الحية في البلاد. فالأحزاب التونسية تعاني من عزلة مجتمعية وعلاقات تنافي فيما
بينها بما يهدد نجاح تجربة الانتقال الديمقراطي.
ان ضعف القوى السياسية من جهة وعدم قدرة اي طرف على تعزيز حضوره السياسي بامتداد
جماهيري فارق او ترجمة انتشاره الواسع الى تأثير سياسي كبير، مازال يؤجل معركة حسم
موازين القوىبشكل نهائي لهذا الطرف
أو ذاك، بما يمكن من قيادة البلاد في خيارات سياسية واقتصادية ومجتمعية تخرجها من حالة
الارباك الحالية.
1.
الوضع المجتمعي:
توتر يشق المجتمع
التونسي منذ سقوط النظام السابق تحت تأثير عدم توازن منسوب السلطة وانعكاس ذلك على
توازنه النفسي واختلال معايير العلاقات البينية وتنامي النزعة المطلبية والانفجار الاعلامي
وعدم الثقة بالمستقبل وتصدع المسلمات التقليدية حول قدسية السلطة والقائمين عليها.
فلم تتبلور القيم المجتمعية الجديدة التي نادت بها الثورة اذ يستمر انتهاك الكرامة
الانسانية في ابعادها المختلفة كما تتعثر منظومة القيم الديمقراطية بما يهدد استمرار مرحلة الانتقال الديمقراطي، أما عن القيم الاجتماعية
المتمثلة في العدالة الاجتماعية وقيمة الشغل فلم يتحقق منها الشيء الكثير.
2.
التوازنات الاقتصادية:
في ظل تعاضد
العاملين السياسي والمجتمعي لم يستطع الوضع الاقتصادي الصمود امام تراجع الثقة في الاستقرار
الداخلي في الأمد المنظور، لذلك اهتزت المؤشرات الاقتصادية في عمومها ومس التدهور النسيج
الاقتصادي كما ازدادت بقعة العجز في الميزانية رغم التطمينات المستندة الى دراسات مقارنة
مع الدول الشبيهة. بلغ الدينار التونسي اسوأ مستوياته على الاطلاق وانخفض الاستثمار
المباشر الى مستويات قياسية. وظهر العامل الاقتصادي الاجتماعي باعتباره اهم عامل محدد
في استقرار البلاد.
3.
العامل الأمني:
تفشي العنف السياسي داخل المجتمع ووجود تهديدات جدية داخلية وخارجية في ظل اهتراء
مؤسسات الدولة وتآكل اجهزتها وضعف الارادة السياسية ونقص الخبرة في التعاطي مع هذا
النوع من التهديدات. كل ذلك خلق اجواء احتقانواسعة وعدم اطمئنان داخل المجتمع وأثّر بشكل حقيقي على اية
فرصة مازالت ممكنة لانطلاقة اقتصادية واعدة فضلا عن تعريض كل العملية السياسية لمخاطر
الاهتزازات الفجئية.4. الخيارات الكبرى لمشروع البناء الوطني
1.
الأهداف:
§ استكمال بناء الدولة التونسيّة الوطنية الحديثة وتفعيل مؤسساتها
وتوطيد حضورها القوي وتكريس علوية القانون فيها واستقلال ارادتها السياسية. فلا ديمقراطية
دون دولة منصفة وقوية، ودون حكم رشيد.
§ العمل على تحقيق اهداف ثورة الحرية والكرامة واستكمال مسارها
في القطع مع المنظومة السابقة وإرساء الانتقال الديمقراطي بمؤسسات جديدة تحفظ الحقوق
والحريات وتضمن السيادة الوطنية والتداول السلمي على السلطة وتحقق التنمية المتوازنة
والعدالة الاجتماعية.
§ تثبيت المشتركات الوطنية وإعادة تجميع التونسيين حول رؤية
مجتمعية تمثل حلقة ربط بين تاريخ طويل من تشكل السّمت الوطني للشخصية التونسية وتطلعات
اجيال متتالية لاستيفاء شروط البناء الوطني متمثلا في التقدم التكنولوجي والازدهار
الاقتصادي والرقي الاجتماعي والقيمي.
النهوض بالمجتمع التونسي بما يحقق له كرامة العيش وضمان حقوقه الانسانية والاجتماعية
وتثبيت حق كل مواطن في التعليم والصحة والشغل والبيئة السليمة وجودة الحياة والتوزيع العادل للثروة والعدالة الاجتماعية والتوازن الجهوي وضمان
حقوق الاجيال القادمة.
§ تفعيل موقع تونس الجيو-استراتيجي بالعمل من جهة على تحقيق
التكامل المغاربي اقتصاديا وثقافيا بما يجلب الرّفاه والنمو لمختلف مجتمعات الفضاء
المغاربي، وان يكون ذلك منطلقا للانفتاح على دوائر التكامل الاخرى العربية والإسلامية
والمتوسطية والإفريقية. ومن جهة اخرى بالاستفادة من الدور التاريخي لتونس في البحر
الابيض المتوسط وإطلالها على ضفتيه لمضاعفة الموارد التنموية للبلاد.
2.
الموجهات السياسية:
من المهم التأكيد
على ثلاث قضايا نعتبرها موجهات سياسية في علاقة بالهوية السياسية لهذا المشروع وثوابته:
§ موقع الإسلام من المشروع الوطني
- العمل على مفهوم الاسلام الاجتماعي والوظيفي الذي يتفاعل
ايجابيا مع معطيات التجربة التاريخية والمجتمعية ومع مقتضيات الحداثة والقيم الانسانية.
- عدم الوقوع في التوظيف الفج للدين والتركيز على اظهار البعد
الاجتماعي العملي للاسلام وذلك من خلال بلورة رؤية برامجية وخدماتية تستجيب لحاجات
التونسيين وانتظاراتهم.
- تجنب الوقوع في الانغلاق الايديولوجي : ان الاسلام هو مقوم
من مقومات المشروع الوطني ويمثل عامل قوة وتوحيد للمجتمع . من ثمة وجب الابتعاد عن
كل استقطاب ايديولوجي يفرغ الخطاب الديني من فاعليته ويجعله أداة لخدمة أجندات حزبية
او مجالا لجدل سياسي.
§ مطالب الثورة ومسار تحققها
الموقف من بقايا النظام السابق التي اعادت التشكل في
الساحة السياسية:
- التمييز بين الدستوريين والتجمعيين في ظل الحديث عن المحاسبة
والحق في النشاط السياسي.
- العلاقة بين العدالة الانتقالية وتأمين شفافية ونزاهة المسار
الانتخابي ونتائج الانتخابات بما يفضي الى استقرار سياسي حقيقي.
- تقديم رؤية سياسية تفتح افقا مستقبليا للمصالحة الشاملة والوحدة
الوطنية وتدفع بالمسار الثوري نحو مواجهة معوقات الانتقال الديمقراطي والحيلولة دون
انتاج منظومة الاستبداد من جديد
§ المسألة الاجتماعية
- استحقاقات الثورة اجتماعية بالأساس تتمحور حول العدالة الاجتماعية
ومتلازمة مع مطالب الحرية والكرامة .وهو ما يعني ان كل رؤية سياسية لا تنزل المسألة
الاجتماعية منزلة الاستحقاق المركزي لا تعدو ان تكون انزياحا وانحرافا بالثورة عن مسارها
الفعلي.
- اطلاق برامج تنموية تحقق العدالة الاجتماعية بما يلمسه المواطن
في الواقع ويحقق له الاستقرار الاجتماعي والشغل الذي يقيه من الحاجة والرفع من مستوى
المعيشة والقدرة الشرائية والعناية بالمناطق المهمشة والمفقرة.
- التأكيد على التلازم بين الازدهار الاقتصادي الذي يراكم الثروة
وعدالة التوزيع التي تحقق الكرامة الانسانية وتضمن الحقوق الاجتماعية المتعارف عليها.
3.
التموقع السياسي:
§ التمايز عن الحركات السياسية التقليدية
في مستوى الادارة الداخلية: ان تكون الديمقراطية الداخلية والتشاركية مقوما
اساسيا من مقومات نجاح ادارة الحزب
- في مستوى ادارة الشأن العام: تلافي ضعف نجاعة الأداء السياسي
وغياب الرؤية الاستراتيجية والقدرة على ادارة الدولة.
- في مستوى الافكار السياسية والايديولوجية المؤسسة لعملها
في علاقة بالبعد الوطني التونسي وعلاقاتها الخارجية والتزامها بمطالب الثورة.
§ تناقض في الرؤى مع المنظومة القديمة
- اعتبار المنظومة القديمة خطرا ومعيقا للانتقال الى الديمقراطية
في غياب نقدها الذاتي وتحملها المسؤولية عن المرحلة السابقة وتقديم رؤية سياسية تتبنى
كل مطالب الثورة.
- تنويع التعاطي مع بقايا النظام السابق بما يحقق الفاعلية
السياسية وتفكيك نظمها ودفعها للانكفاء الذاتي.
- التمييز بين الفاعلين السياسيين وأجهزة الدولة التي كانت
توظف لإحكام السيطرة على البلاد
§ الاختلاف مع المشاريع الايديولوجية
- لطبيعتها المنغلقة والإقصائية، وباعتبارها جزء من المشهد
السياسي التقليدي، فإن الحوار النقدي والتنافس السياسي، يعد العلاقة الوحيدة الممكنة
بهذه الاطراف.
- المطالبة بتطبيق القانون مع أي طرف يستعمل العنف أو تعطيل
الحياة العامة تحت أية ذريعة سياسية كانت أم إيديولوجية.
§ التفاعل مع التيار الوطني
- بناء أرضية سياسية وطنية تمثل الأساس لإنجاح مسار الثورة
والانتقال للديمقراطية المستقرة.
- دعم التنسيق السياسي والنضالي مع الأطراف السياسية والمجتمعية
التي تقف على نفس الأرضية الوطنية في اتجاه بناء جبهة سياسية وطنية.
- الانفتاح بالتيار الوطني على هموم ومشاغل التونسيين في اطار
رؤية ان السياسة في خدمة الشعب.
5. الأفق المستقبلي
§ المسار السياسي الأوّل: في صورة استمرار عدم
الوضوح في المسار السياسي
المساهمة في تشكيل تيار وطني يضم كل الأحزاب والمنظمات والجمعيات
التي تتقاسم مع الحزب الرغبة في بناء جبهة سياسية تحقق مطالب الانتقال الديمقراطي وتثبّت
ركائز السّمت الوطني للمجتمع التونسي وذلك في إطار رؤية سياسية واحدة وفية للثورة ولمطالبها.
§ المسار السياسي الثاني: الذهاب للانتخابات
المشاركة في الانتخابات التشريعية والرئاسية والبلديّة القادمة
والاستفادة من حالة الاهتراء التي تعيشها مختلف الأحزاب الكبيرة الحالية لتحقيق نتائج
تساعد على حسن تموقع أطروحات الحزب بما يمكن من تحقيق الأهداف التي قام عليها.
ملاحظة:
تمثل هذه الورقة
خلاصات نقاشات طويلة، انطلق بها العمل على وضع أسس حزب "البناء الوطني"،
وبناء عليها صيغ البيان التأسيسي للحزب فيما بعد.