المسار المترنّح
المسار المترنح
تمهيد
في الرابع عشر من ديسمبر 2013، وبعد سلسلة طويلة من جلسات
الحوار الوطني، توقفت أحيانا وتسارعت أخرى، كادت تفشل في نهاية الطريق لكنها أفضت إلى
تكليف السيد "المهدي جمعة" رئيسا جديدا لتشكيلة حكومية سادسة بعد الثورة.
جاءت هذه الحكومة بعد انقسام سياسي حاد قسّم المشهد الحزبي
والشارع التونسي الى كتلتين متقابلتين دافعت الأولى على ما سمته بخيار "الشرعية".
ورأت الأخرى أن لا إمكانية لمواصلة المسار بصيغته القديمة بعد فشل حكومة "الترويكا
" الثانية في التصدي للإرهاب الذي قام بتصفية ثانية لإحدى شخصيات المعارضة.
1. جبل عريض من الفشل
1.
غياب الرؤية
جاءت حكومة
"الترويكا الثانية" على أنقاض الأولى التي خلفت وراءها مشهدا معقدا للغاية :
§ شبح الإرهاب المخيّم على البلاد وانتشار السلاح والفوضى الأمنية.
§ ارتفاع سقف المطالب الشعبية من أجل تحسين المقدرة الشرائية
وتوفير مواطن الشغل للعاطلين عن العمل.
§ مناطق داخلية متحركة تطالب بحقها في التنمية التي حرمت منها
لسنوات عديدة.
§ معارضة متوثبة تتصيد الأخطاء، وتبني على أنقاضها شرعيتها
الجديدة.
لم تستطع هذه
الحكومة أن تقدّم خطابا واضحا يعطي صورة حقيقية لأوضاع البلد ويصارح الناس بطبيعة الأزمة
الهيكلية التي يعيشها الاقتصاد الوطني ولم تستطع أن تقدم رؤية لكيفية الخروج من الازمة
مما ولّد لديها ترددا في:
§ انفاذ القانون على الجميع والانتصار لمنطق الدولة.
§ تحرير قطاعات إنتاجية كبرى كانت معطلة.
§ اطلاق عجلة التنمية بمواجهة الإضرابات العشوائية وقطع الطرق.
§ إيقاف المطلبية المشطة التي أرهقت المالية العمومية.
عمّق هذه الأزمة الوضع الأمني، إذ تمدّدت رقعة اللهيب فطالت
مناطق كثيرة في البلاد، وانتشرت صور قتلى المؤسستين الأمنية والعسكرية الصادمة عددا
وطريقة، بشكل لم يعهده الرأي العام. الأمر الذي خلق شعورا بالإحباط لدى جمهور واسع
من الشعب وهزّ الثقة بالدولة وليس فقط بالحكومة.
لقد نجحت العمليات المسلحة فيما لم تنجح فيه المعارضة السياسية،
حيث جمعت الشارع السياسي والراي العام الشعبي حول صورة عجز الدولة عن حماية رموزها
ومؤسساتها قبل مواطنيها ورسخ فكرة عدم قدرتها على حماية مجالها الترابي.
2.
مصر على الخط
أعطى انقلاب الجيش المصري على سلطة منتخبة زخما قويا للمعارضة التونسية. وفتح
لها أملا كبيرا في استنساخ التجربة المصرية في تونس بالنظر لتشابه المسارين التونسي
والمصري. فعلى بعد أمتار من مقر أكبر الأحزاب الحاكمة في تونس وأمام السفارة المصرية
وفي وقفة مساندة للانقلاب في مصر شاركت فيه أطراف حزبية معروفة، رفعت شعارات تترجى
الجيش التونسي ممثلا في رئيس أركانه أن يقوم بما قام به قائد الانقلاب في مصر. وعلى نفس منوال التجربة المصرية
ظهرت حركة "تمرد" التونسية" ثمّ "جبهة الإنقاذ " التونسية
في مقابل نظيرتيهما المصريتين.
وفي الجهة المقابلة تشكلت "جبهة وطنية للدفاع عن الشرعية"
كما حدث في مصر. لكن كما اهتزت جبهة الشرعية في مصر فانفض عنها "حزب النور"،
و"مصر القوية"، فان "ترويكا" الحكم في تونس لم تحافظ بدورها على
تماسكها. فلقد أغلقت أبواب المجلس التأسيسي تحت ضغط النواب المنسحبين والمناخ السياسي
والأمني المتفجر في البلاد. وبدا هذا التعليق لأعمال المجلس بمثابة رصاصة الرحمة على
الائتلاف الحكومي الذي كان هشا منذ يومه الأوّل.
من جهة أخرى، أدّت المخاوف من حدوث انقلاب أمني أو عسكري
بعد تزايد التوتر في البلاد، إلى ارتباك شديد داخل الترويكا ممّا عجل بقبولها مبادرة"
الرباعي الرّاعي للحوار الوطني" رغم الرفض القاعدي الشديد.
في هذه المرحلة بالذات لم يعد السؤال المطروح على الثالوث
الحاكم هل سيتنازل أم لا ؟ بل إلى أي مدى يمكن أن تصل تنازلاته ؟
3.
إسقاط حكومة أم إسقاط مسار
منذ انتهاء السنة الأولى من عمر المجلس التأسيسي، تعالت بعض الأصوات منادية
بانتهاء المهلة المخصصة لأعماله، وفقا للمرسوم الرئاسي الذي دعا لانتخابه، وانسجاما
مع الالتزام الأخلاقي الذي أمضته الأحزاب السياسية قبل الانتخابات التأسيسية. لكن هذه
الأصوات ازدادت قوة وتأثيرا بعد الاغتيالات السياسية المتعاقبة وتأسيس "جبهة الإنقاذ".
حيث رفعت المعارضة جملة من المطالب: - حل المجلس التأسيسي - إستقالة الحكومة والدعوة
لتشكيل حكومة انقاذ وطني بكفاءات وطنية - إحداث لجنة فنية لاستكمال الدستور - وضع رزنامة للانتخابات.
أي إلغاء كل المسار الانتقاليالذي تشكل بإرادة شعبية غداة انتخابات 23 أكتوبر 2011.
تتطلب مرحلة الانتقال الديمقراطي القطع مع حقبة الاستبداد
التي تعتمد على إلغاء الإرادة الشعبية والقفز عليها، والاستعاضة عن ذلك بالاحتكام للاختيار
الشعبي العام. لذلك تصبح دعوة المعارضة إلى تشكيل حكومة جديدة خارج الإرادة الشعبية
إنما هي انقلاب على المسار الانتقالي برمته.
وعلى الرغم من الإجماع على التوافق كآلية لتفعيل الحوار الوطني،
فلقد تمّ اختيار رئيس الحكومة المكلف الجديد على غير الطريقة التي حددتها خريطة الرباعي
الراعي وهي التوافق إذ تم حسم الخلاف في طاولة الحوار بالتصويت، وهو ما يبين بوضوح
الخلل المنهجي والقانوني الذي اقتيدت في اتجاهه المسار السياسي.
فكيف نرفض التصويت كآلية في مجلس تأسيسي يستمد أعضائه شرعيتهم
من الإرادة الشعبية، ونقبل به على مائدة الحوار الوطني بين أحزاب سياسية يعبر كل واحد
منها عن رؤيته الضيقة والتي في كثير من الأحيان لم تنجح في تحقيق إجماع داخل الحزب
ذاته؟
تبدو عملية إطلاق الحوار الوطني بين الأحزاب السياسية، مجرد
تحييد للإرادة الشعبية عن البت في الخيارات الكبرى للبلاد بعد أن تبين ضعف الحضور الشعبي
لكثير من القوى السياسية، وعجزها عن الإقناع ببدائلها. فالتجأت لقلب معادلة الأغلبية
والأقلية الذين أفرزتهما انتخابات المجلس التأسيسي وإلغاء المنظومة السياسية التي أنتجتها.
2. الوضع الحكومي
تبدو حكومة السيد "المهدي جمعة" للوهلة الأولى
في وضعية سياسية مريحة أكثر من كل الحكومات التي سبقتها. فهي مسنودة حزبيا من قبل أغلبية
الأحزاب المشكلة للمشهد السياسي، وأيضا من قبل أغلب منظمات المجتمع المدني حتى تلك
المتناقضة وظيفيا مثل اتحاد العمال ونقابة الأعراف. ومع الحفاوة الإعلامية التي حظيت
فان الوضعية النفسية للشارع التونسي قد تحسنت وبدأ الناس أكثر قبولا بها بعدما توقفت
حالة الانقسام التي كانت قائمة بين شارع وشارع مقابل.
اما دوليا، فلقد لعبت اطراف عديدة ادوارا رئيسية لفرض المسار
الذي افضى لتشكيل حكومة التكنوقراط. تراوح هذا الضغط الدولي والاقليمي بين الوساطة
بين القوى السياسية المتنازعة وحجب التمويلات والقروض عن الحكومة لشلها وابداء عدم
ارتياحها للحلول الانقلابية. وبمجرد تشكل الحكومة الجديدة حتى عاد الضخّ المالي من
طرف المؤسسات الدولية والدول المانحة على غرار القسط الثاني من قرض صندوق النقد الدولي
الذي حجبه عن حكومة التريكا وسرحه في اول شهر تشكلت فيه حكومة التكنوقراط.
كل هذه المعطيات المحفزة للحكومة الجديدة، يخلق توقعات متفائلة
حول فرص نجاحها في المستقبل، الا ان ما افضت اليه من نتائج كان مخيبا للامال. فحينما
قدم رئيس الحكومة حواره التلفزي الاوّل فيما يشبه خطاب التكليف اتفق معه الجميع حول
توصيفه لحالة البلاد أمنيا وماليا، لكن كل حسب خلفيته وكل حسب فهمه وما يريد أن يوظفه
من ذلك. ففي حين اعتبرت "الترويكا" الخطاب غير مدين لها ولم يحملها المسؤولية
على وصول الأوضاع لما وصلت اليه، رأت المعارضة فيه تقييما سلبيا لفترة الحكم السابقة
بما يفهم منه إدانة مبطنة لثالوث الحكم السابق. وما ان طرح مقترحاته وتصوراته لكيفية
الخروج من الازمة المالية التي تمر بها البلاد حتى جاءته السهام من الجميع:
§ عارض أطراف ذات توجهات اجتماعية تجميد الأجور وعدم الزيادة
فيها طيلة 2014. كما رفضت تجميد الانتداب بالوظيفة العمومية. كما استؤنفت سلسلة الإضرابات
القطاعية والجهوية.
§ طالبت أطراف أخرى ذات توجهات ليبرالية بضرورة الإسراع بمعالجات
عميقة للوضع الاقتصادي والمالي للبلاد على غرار صندوق الدعم والمؤسسات العمومية التي
تعاني من صعوبات.
§ تحفظت بعض الأحزاب على طريقة إدارة ملف مراجعة التعيينات.
من جهة ثانية بدت الحكومة اقل تضامنا فيما بينها وظهر خطاب
"رئيس الحكومة " في اطلالته الإعلامية وكأنه قد رتب على عجل:
§ اختلف وزير المالية مع رئيس الحكومة في توصيف الوضع الاقتصادي
من كارثي الى صعب فقط ولا يدعوا الى الخوف.
§ أكد الناطق باسم الحكومة المكلف بالملف الاقتصادي في رئاسة
الحكومة ان الدولة لن توقف الانتداب في الوظيفة العمومية المقررة في ميزانية 2014.
§ نفى وزير الخارجية إمكانية مراجعة العلاقات مع سوريا وعودتها
إلى نسقها العادي والطبيعي.
وبذلك أظهرت حالة شبه الاجماع حول الحكومة الجديدة نوعا من
الهدنة وليس انهاء للمعركة، كما بدا أن الترويج لإمكانية النجاح فيما فشل فيه الآخرون
غير كاف في غياب برنامج اجتماعي اقتصادي يتم الاتفاق فيه على الحد الأدنى، وأن الاتفاق
حول الشخصية دون الخيارات لا يضمن ديمومة التوافق.
إن القبول بحكومة مهدي جمعة ليس إلا خيار "ضرورة" يخرجنا من حالة
الانقسام المؤدية الى الفوضى، ويحافظ على الحدود الدنيا من تواصل الدولة. هي حالة
" الاضطرار" التي قبلها الجميع بتحفظ وعدم رضا كامل سواء على منشأ هذه الحكومة،
تركيبتها أو توجهها. لكن أمام صعوبة الوضع المالي والاقتصادي للبلاد قد تجد الحكومة
نفسها مضطرة لاتخاذ قرارات صعبة لا شعبية فتعصف بها رياح الشارع وتعجل بانفضاض الاحتضان
السياسي لها.
3. الوضع في رئاسة الجمهورية
في أحلك فترات الانقسام السياسي 2012-2013، عملت رئاسة الجمهورية
على منع المسار الانتقالي من ان ينزلق الى مخاطر قد تدخل البلاد في حالة من الفوضى.
وفي الوقت الذي دعت فيه المعارضة الى استنساخ المسار المصري في تونس عبرت رئاسة الجمهورية من داخل المنتظم الاممي على
ادانتها للانقلاب على رئيس منتخب ودعت الى احياء العملية السياسية والرجوع الى الحالة
المدنية.
ثمّ قام رئيس الدولة بمجموعة من الإجراءات الفجئية لمنع وقوع
حدث مماثل له في البلاد، فتم دفع "رئيس الأركان" للاستقالة، تلتها تغييرات
واسعة على رأس المؤسسة العسكرية وإعادة تشكيل المجلس الأعلى للأمن الواقع تحت إشراف
رئيس الجمهورية.
وبذلك تمّ التأكيد على أن الجيش التونسي، هو جيش جمهوري خاضع
للقرار السياسي وليس صانعا له وأنه من الصعب التعويل عليه في لعب دور في حراك سياسي
داخلي كما هو الحال في مصر.
اعتبر البعض أن رئيس الجمهورية هو الضامن الحقيقي لبقية المسار
الانتقالي، واعتبر آخرون أن ذلك يعد انتهاكا للقانون ودعاية انتخابية قبل أوانها وبالتالي
اعتبروه عقبة في طريق إتمام المرحلة الانتقالية وجب إعادة التفاوض في شأنها كما ينصّ
على ذلك البند الثالث من خريطة الرباعي. فتحولت مدافع القصف الإعلامي والسياسي من القصبة
الى قرطاج، في خطوة لمحاولة تحييد رئاسة الجمهورية بعد الفشل في طرح فكرة تغييرها.
4. المجلس الوطني التأسيسي
لقد تحكمت ظروف النشأة
في المسار، اذ ان المرسوم الداعي لانتخاب مجلس وطني تأسيسي كان ضبابيا في محتواه. إذ
حصر المرسوم مهمة المجلس في صياغة دستور في مدة سنة واحدة دون ان يتعرض بالحديث عن
وضعية المؤسسات السياسية والدستورية الأخرى كرئاسة الجمهورية والحكومة والعلاقة بينهما،
كيف تتشكل هذه المؤسسات ومن يشكلها. كل هذه المسائل انفجرت بعد الانتخابات، وانقسم المشهد السياسي بين قراءتين:
الأولى مدرسية تعتبر ان المجلس سيد نفسه ومنه تنبع كل السلطات وله حق تشكيل ومراقبة
عمل المؤسسة التنفيذية وله حق التمديد الزمني لنفسه، وبالمقابل كانت الثانية تتشبث
بحرفية النص وترى أن العملية الانتخابية هي وكالة محكومة بتفويض محدود في المدة والمهام.
بالتوازي مع هذا الجدل
السياسي والقانوني، وعند تشكيل الحكومة من كتلة الأغلبية، ضعفت قيادات الرأي داخله،
وخاصة بين أحزاب الائتلاف الحكومي باعتبار التحاق اغلبها بالفريق التنفيذي واستقالتها
من المجلس. هذا فضلا عن أنها كانت قليلة بطبيعتها نظرا لكون القانون الانتخابي لم يساعد
على حسن اختيار ممثلي الشعب، فبدا المجلس تابعا للحكومة ومدافعا عنها أكثر من كونه
مراقبا ومحاسبا، فبقي ثقل الحكم خارج المجلس عوض أن يكون في داخله كما تقتضي طبيعة
الأشياء.
بعد أكتوبر 2012، تاريخ مرور سنة على انتخابه، طعنت اطراف المعارضة في المجلس أخلاقيا وسياسيا
باعتبار انه تجاوز التفويض الزمني. كما اهتزت صورته لمّا أصبح الخلاف السياسي يدار
في الشارع وليس داخله كما انطلقت دعوة من بين اعضائه لحله واستبداله بصيغ اخرى اكثر
ملاءمة لاصحاب هذا الراي. وبالفعل افرغ المجلس من كل صلاحياته، التي اسندت للجنة موازية
"لجنة التوافقات" المنبثقة عن مائدة الحوار واصبحت مصدر القرار الفعلي في
كل قضايا الدستور، وتحول المجلس التأسيسي إلى غرفة لتبييض القرارات التي تؤخذ خارجه
باسم التوافق فأصبح المؤسسة الأضعف في الوقت الذي كان يجب ان يكون الأقوى.
5. إتحاد الشغل
§ كان مؤتمر طبرقة محطة مهمة في تاريخ الاتحاد التونسي للشغل
للتطهر من مواقف القيادة النقابية السابقة التي كانت على راس المنظمة والذي كان تاريخها
تاريخ الارتباط بمنظومة الاستبداد.
§ استغل الاتحاد ماضيه النقابي/المطلبي والسياسي/الوطني في
تحديد الحراك السياسي في البلاد والدفع به نحو خلق توازنات سياسية جديدة حتى ان البعض
فكر في دخول الانتخابات القادمة في قوائم خاصة به.
خرجت المنظمة الشغيلة من طاولة الحوار الوطني باعتبارها الطرف الأقوى والرابح
الأكبر حيث جمعت حولها ما لم يجمع فكرا وممارسة فرضت خلالها§ حقائق سياسية جديدة مخالفة لطبيعة انتخابات المجلس التأسيسي.
§ استطاع اتحاد الشغل أن ينجح في فرض رقابة على المؤسسة السياسية
الأولى في البلاد بتشكيل لجنة التوافقات وهو يرنو الى استباق الانتخابات القادمة بتواصل
عملها لإسناد الحكومة.
وبذلك سيظل الاتحاد أحد المحددات الهامة في الخيارات العامة بالبلاد وسيستمر
في القيام بهذا الدور ما لم تنشأ قوة سياسية قادرة على المسك بمؤسسات الدولة وانفاذ
القانون أو توازنات سياسية واجتماعية جديدة
6. الوضع الإعلامي
من اهم الأدوات
التي وظفتها قوى سياسية مضادة للثورة توظيفا جيدا في صراعها مع الترويكا الحاكمة معتمدة
على:
§ انتشار موالين لها من قوى قبل الثورة في مقابل غياب شبه كلي
للترويكا في وسائل الاعلام.
§ تعوّد الإعلام استهداف مكونات الثالوث الحاكم قبل الثورة
باعتبار ان ذلك كان الثقافة السياسية السائدة في المشهد آنذاك.
§ المال الداعم لمنظومة الإعلام في اغلبه من المال الفاسد الذي
استفاد مما اغدقته عليه منظومة الاستبداد.
§ عدم اعتماد معظم المؤسسات الإعلامية على صحفيين واعلاميين
متخرجين من معهد الصحافة بل كانت معظم الأقلام غير حرفية وفي أغلبها مسيسة.
§ غياب إطار تشريعي وافتقاد الكثير من المؤسسات الإعلامية لقوانين
أساسية توضح مهام وصلاحيات الأطراف المتدخلة في المنتوج الإعلامي.
ومما زاد في تعقيد الوضع هو سياسية الترويكا تجاه وسائل الإعلام التي اتسمتبالتوتر الشديد نتيجة
الإحساس بالغبن. وكانت أسوأها التدخل الفض عبر تعيينات مسقطة لم يستشر فيها القطاع
وفي الغالب كانت مشبوهة كما زاد تلكؤ حكومة الترويكا في تفعيل المرسومين 115 – 116،
وعدم إسراعها في تشكيل الهيئة التعديلية للاشراف على القطاع السمعي البصري.
كل ذلك أعطى شعورا لدى
الإعلاميين بأن الحكومة تحاول أن تهيمن على القطاع ممّا ولد انتصارا فئويا للإعلام
حتى للذين لم تكن لهم عداوة مع الترويكا او حكومتها بمنطق الدفاع عن القطاع من هيمنة
وسطوة سلطة جديدة حتى لو كانت منتخبة.
إن تظافر الرغبات السياسية
مع العوائق المهنية سيجعل الاعلام في تونس بؤرة توتر أساسية في عملية التحول الديمقراطي
وستظل الازمة قائمة إلى ان يتم الدفع بالإعلاميين بشكل ناعم إلى تخلص المنظومة من الفاسدين
ومن الذين لا يتمتعون بالحرفية اللازمةز فعملية التطهر الذاتي والمحاسبة الداخلية ممكنة
نظرا
للتناقضات الكبيرة التي تشق المشهد الإعلامي.
7. المشهد الحزبي
عند الحديث عن المشهد
الحزبي يجب استحضار أمر مهم وهو اننا في مرحلة انتقال ديمقراطي تشهد طفرة في تشكيل
الأحزاب، تنصهر أحيانا وتتولد من بعضها أحيانا أخرى، تتقارب في عمل جبهوي مرات، وتتنافر
في مرات أخرى.
ولا يشذ المشهد
التونسي عن هذه القاعدة كثيرا، فبعد أقل من سنتين من الثورة تجاوز عدد الأحزاب القانونية
أكثر من 150 حزب، لا يفرق بين كثير منها أحيانا إلاّ المزاج الشخصي.
غالبا ما تنقسم
الساحة السياسية التونسية الى أربع عائلات كبرى: إسلامية ـ قومية ـ يسارية ـ دستورية،
إلاّ أننا لا نرى أن هذا التقسيم كلاسيكي أوّلا: لأنه قائم على أساس أيديولوجي وهو
ما نرفضه ونعتبره أحد أكبر معوقات الانتقال الديمقراطي في بلادنا. ومن ناحية ثانية:
لقد سقط هذا التقسيم الحدي بين العائلات الفكرية عمليا بعد انتخابات 23 أكتوبر وخاصة
عند الاصطدام بين الحكومة والمعارضة، لذلك فإننا نفضل التقسيم العملي الذي أنتجته عملية
الفرز السياسي الواقعي.
1.
الترويكا
افرزت انتخابات
23 أكتوبر خارطة سياسية مخالفة للتي كانت قبل
الثورة. إذ كانت الأحزاب الستة الأولى المتقدمة في الانتخابات، موجودة قبل الثورة مع
إضافة حزب جديد "العريضة الشعبية". لكن اندثرت أحزاب أخرى كانت ممثلة قبل
الثورة في المجلس النيابي
دفعت نتائج الإنتخابات
الى إيجاد تكتل ثلاثي مختلف فيما بينه في المنطلقات الفكرية والتوجهات السياسية ولكنه
مجتمع حول مهمة الحكم. وبدا واضحا أن هذه الترويكا تفتقد إلى تجربة الحكم، في مرحلة
انتقالية سمتها الأبرز عدم الاستقرار. الامر الذي جعلها تخسر حكومتين في أقل من سنتين.
ولقد تبين بوضوح أن هذا الائتلاف تقدم للحكم على عجل من دون برنامج سياسي واضح ولا
خطة حكم مفصلة، مما خلق تنازعا في أول أزمة حادة يواجهها: عند تشكيل الحكومة الثانية
كاد الائتلاف ان ينهار عندما طلب الشريكان من حزب الأغلبية في المجلس التأسيسي التنازل
عن وزارات السيادة التي كانت تحت إشرافه. بل كاد عقد الائتلاف أن ينفرط حينما هدد احد
أطرافه تهديدا جديا بالانسحاب من الحكومة في أكثر من مرة. ثمّ كانت الأزمة الأشد عندما
قام رئيس المجلس التأسيسي بتعليق أعماله إلى أجل غير مسمى، في المقابل هدد حزب الأغلبية
بسحب الثقة مرة من رئيس الجمهورية ومرة من رئيس المجلس التأسيسي. وبذلك تكون تجربة
الترويكا قد انتهت بشكل مأساوي بعد ان فشلت في ادارة اغلب الازمات التي تعرضت لها البلاد
في المرحلة الانتقالية.
2.
قوى المعارضة
غايتها المعلنة الدفاع
عن مكتسبات الثورة كما ينص على ذلك اسمها الكامل "الجبهة الشعبية لتحقيق أهداف
الثورة". أدّى ضعف نتائج مشكّلاتها الانتخابية، الى الالتقاء في عمل جبهوي غايته
الأولى المعارضة الأيديولوجية والعقائدية مع "حركة النهضة" عملت على استغلال
كلّ حراك شعبي مطلبي ودفعه الى الأقصى من اجل استهداف حكومتي الترويكا وخاصة الحزب
الأكبر فيها.
عند احتدام الأزمة الحكومية
بعد اغتيال البراهمي أحد وجوهها السياسية رفعت شعار حلّ المجلس التأسيسي لقناعتها أنه
ان بقي المجلس بتوازناته التي افرزتها الانتخابات سيؤدي بالضرورة في كل مرة الى إعادة
انتاج نفس الحكومة. فاستهداف المجلس كان سيحقق كلّ الغايات مجتمعة بضربة واحدة.
سعت المعارضة للتعويض
عن ضعفها في الشارع بالتأثير من خلال نسيج المجتمع المدني والتأثير في قراراته. الشيء
الذي أظهره في اكثر من موقف وكأنه يشتغل وفق أجندتها لكن يبدو أن التوازنات السياسية
داخل المنظمة الشغيلة خاصة، باعتبارها جزء من المجتمع المدني التي تسعى المعارضة لتوظيفه
والاستفادة من ثقله، قد جعلتها تنحو باتجاه الوسط تدريجيا وترك أقصى اليسار. فعدل الاتحاد
عن تبني فكرة الفراغ التي طرحتها المعارضة بحل المجلس التأسيسي وسعى لتفعيل الحوار
الوطني.
بالمحصلة استفادت المعارضة من تواصل الحراك الثوري بعد الانتخابات واتساع دائرة
المطلبية، ومن وجودها التاريخي داخل عديد المنظمات المدنية واتحاد الشغل بالخصوص،
وضعف الأداء السياسي لحكومتي "الترويكا"
في الحكم التي لم تتميّز سياساتها بالجرأة اللازمة، وضعف الأداء في الملفين المالي
والاقتصادي وتراخيها في محاربة منظومة الفساد والاستبداد.
بعد تسلم المهدي جمعة
لمهمته الحكومية ضعف حضور المعارضة إعلاميا وسياسيا على الرغم من استمرار وجود نفس
الملفات الحارقة التي وضفت في التعبئة ضد حكومتي الترويكا. فلقد تفاقمت المديونية،
ولم تنطلق التنمية في الجهات، وتواصل تدخل الجهاز التنفيذي في الجهاز القضائي، كما
استمرت المطالبة بالتشغيل وتخفيض الأسعار، رغم ذلك اختفت مظاهر الاحتجاج السياسي، مما
يدل على أن الاشتغال على هذه الملفات كان بغاية المناكفة الايديولوجية والمزايدة السياسية.
بل تفككت كل الجبهات السياسية المعارضة التي تشكلت من اجل اسقاط حكومة الترويكا على
غرار الاتحاد من اجل تونس وجبهة الانقاذ، وتبين حجم التناقضات الداخلية التي تشقها
باعتبار الحسابات الانتخابية المبكرة التي بدأت تبرز للعيان.
1.
منظومة الاستبداد ... إلى أين؟
منذ ان قامت الثورة
على "دولة بن علي" وحزبه، تحلّل "التجمع" موضوعيا ولم يعد يرى
أثره على الساحة السياسية والشعبية واختفى كل رموزه وقد تدعّم هذا الغياب بحكم قضائي
في بحله صادر في09 ـ03ـ 2011. إلاّ أن هذا الغياب لم يتدعم بقانون منظم للأحزاب يمنع
بمقتضاه تمجيد النظام السابق او الانتساب له.
لجأ التجمعيون إلى المراوغة
فاعتمدوا على نظرية إعادة الانتشار "فتقا ورتقا". فتم انشاء أحزاب متولدة
من الحزب الام تستند في عضويتها على أعضاء الحزب المنحل تحت غطاء "الإرث البورقيبي"
أو "الخيار الدستوري" وفي بعض الأحيان دون الحاجة إلى أي غطاء.
فعادت وجوه الاستبداد
القديمة للظهور في الأماكن العامة والملتقيات السياسية والساحات الإعلامية دون خجل
ودون اعتذار، بل تمجيدا للفترة السابقة سياسة ورموزا. كما تناثرت بعض القوائم الانتخابية
في 23/10 التي تحصلت على 5 مقاعد داخل التأسيسي وتمكن "نداء تونس" من تشكيل
كتلة برلمانية بعد انتخاب المجلس في إطار السياحة الحزبية مما مكنه ليس فقط من حضور
جلسات الحوار الوطني وإنما التأثير فيها وتحديد نتائجها ايضا.
لقد استفادت منظومة
الاستبداد في إعادة احياء جسمها السياسي من:
§ غياب قانون يمنع انشاء الاحزاب على أساس تمجيد المنظومة القديمة
بأفكارها ورموزها.
§ التأجيل غير المبرر لتفعيل قانون العدالة الانتقالية.
§ الانتهازية السياسية لائتلاف الحكم وبعض قوى المعارضة على
حد السواء في التعامل مع بقايا النظام السابق سواء إما مزايدة أو انتفاعا أو تحييدا.
§ عدم التتبع القانوني للمال الفاسد الذي غذى وساهم في بناء
وتوفير الفضاءات الإعلامية والسياسية لظهورهم.
عند الحديث عن منظومة
الفساد والاستبداد نجد انفسنا امام ضرورة الحديث عن تحصين الثورة أو العزل السياسي
فلقد اختلطت المواقف وتمازجت الى درجة اتخاذ الموقف ونقيضه من الجهة الواحدة وفي اليوم الواحد. وغاب الخط الفاصل
بين من يدافع عن قيم الثورة ومن يقف مع الثورة المضادة، وخضع هذا الموضوع الى منطق
الابتزاز السياسي والمزايدة السياسية والتحييد الإيجابي من هذا الطرف أو ذاك. وبدا
واضحا ان المبدئية غائبة سواء عند المدافعين او المعارضين، ولذا فاننا نرى أنه من المهم
التشديد على الموقف التالي عند الحديث عن المنظومة القديمة.
§ لا يجب الحديث عن اقصاء أو محاسبة أو تحصين، إذ يبقى كل ذلك
هو من مشمولات العدالة الانتقالية.
§ عندما نتحدث عن مجموعة مخصوصة من الأشخاص كانوا قد أسسوا
وشرعوا وعملوا على تنفيذ منظومة الاستبداد القديمة، فمن باب حماية الانتقال الديمقراطي
وشفافية الانتخابات القادمة وتوفير ضمانات نجاح العملية الانتخابية. يجب تحييد الإدارة
والمساجد والإعلام ومنع كل الذين ساهموا في تأسيس منظومة الاستبداد من استغلال امتداداتهم
داخل هذه الفضاءات لاعادة انتاج نفس المنظومة من جديد.