تونس تواجه قدرها
رياض الشعيبي
ان متابعة الاعتداء الارهابي الاخير في تونس، يعيد الى اذهاننا احداث التراجيديا الاغريقية في صورتها الاولية، حيث يدرك البطل مصيره مسبقا، لكنه يخوض حربه التراجيدية من اجل تغيير هذا القدر المحتوم. تماما كما يعلم كل التونسيين اليوم انهم لا يستطيعون ان يكونوا استثناء مستقرا وناجحا في محيط متغير ومحبط، ومع ذلك تتعالى اصوات الدمغجة هنا وهنالك، قافزة على المشاكل التي تواجهها البلاد، لترسم مجدا واهما لتجربة انتقالية لم تتم انتقالها بعد.
الارهاب بدأ يتحول منذ مدة الى ظاهرة اجتماعية تعبر عن نفسها من خلال عنوان ابرز هو "داعش" ولكن أيضا من خلال عناوين أخرى عديدة. غير انه لا يجب ان ننسى أن هذا التحول من مجرد جماعات محلية إلى ظاهرة اجتماعية عابرة للدولة القطرية بدأ منذ الأيام الأولى لاجتياح بغداد. فقد شهدنا حينها طوابير البلطجيّة ومجرمي الحق العام ينهبون مدينة بغداد على مرأى ومسمع من كل العالم ودون ان يحرك احد ساكنا. وكذا الأمر في تونس والقاهرة وغيرها من عواصم الدول التي سقطت فيها السلطة المركزية. يبدو انه كان من الطبيعي أن تنتظم حركة البلطجة العفوية، تحت تأثير عوامل عديدة داخلية وخارجية. والدارس اليوم لظاهرة "داعش" يلاحظ بوضوح طغيان هذا العنصر المنفلت من القانون والقيم الاجتماعية داخل تنظيمها. أما الباقون فقد التحقوا بالمحاكاة، باعتباره القانون الاجتماعي الأكثر تماسكا حتى اليوم في تفسير الظواهر الاجتماعية. الغطاء الايديولوجي والديني لا وظيفة له لدى هؤلاء الإرهابيين، غير توفير العزاء النفسي لأرواح تلبست بأشرارها. ومع ذلك لا نستطيع أن نفهم ظاهرة الإرهاب دون أن نتفهم الظروف التي أدت لاستفحاله: إغلاق الفضاء العام وغياب العدل، التهميش الاجتماعي وانتشار الإحباط بين فئات واسعة، فرض نمط ثقافي ومجتمعي غير متجانس مع الشخصية النمطية للفرد والمجتمع، كل هذه العوامل تتحمل مسؤوليتها الدولة التسلطية التي فرضت على الشعب التونسي لأكثر من خمسة عقود. كيف لنا ان نتحدث عن استثناء تونسي دون أن نغير العوامل المنتجة للظاهرة الارهابية، اي دون ان نغير نمط علاقة الدولة بمواطنيها؟
مرة أخرى وربما لن تكون الأخيرة يوجه العالم انظاره للبلد المغاربي الاصغر جغرافيا، وربما الاقل اهمية في التوازنات الاقليمية والدولية. لكن رغم محدودية ثرواتها الطبيعية وجحمها السكاني، الا ان تونس بقيت عاصمة الاعلام طوال السنوات الاخيرة. اذ ان اهمية ما يحدث الان في تونس مرده اهمية الموقع الجيو-سياسي الذي تحتله والثراء الانساني الذي تعبر عنه تجربته. فعنوان الانتقال الديمقراطي بقي ملتبسا في نجاحه كما في فشله، لذلك تدخلت الارادة الدولية لصياغة اخراج للتجربة التونسية تظهرها في صورة الانجاز الديمقراطي في محيط اقليمي غير مستقر. الا ان ذلك لم ينجح في تأمينها بشكل كامل، لان اللا استقرار الذي يجتاح المنطقة ألقى بظلاله على هذا البلد الصغير، ولم تنجح الترتيبات السياسية ولا الاحتياطات الامنية في تحصينه. ما حصل في "أربعاء المتحف الاثري" لا يمكن ان يكون مشكلا تونسيا خالصا، وان كانت الايادي التي نفذت الاعتداء هي ايادي تونسية. ما لم تنحو المنطقة كلها لاستقرار حقيقي وعادل فلن يكون بمستطاع التونسيين ايجاد حلول جذرية للتهديدات الارهابية المتزايدة.
ما بعد عملية متحف باردو لا يمكن ان يمثل استمرارا سلسا لما قبلها، فقد اسقطت هذه العملية الارهابية مقولات سياسية واعلامية رئيسية قامت عليها مرحلة بناء الديمقراطية الناشئة منذ الانتخابات الاخيرة. اذ تحول الاستقرار الديمقراطي الى اختراق ارهابي خطير مثلما اصبح الاستثناء التونسي مجرد مقولة فارغة من كل محتوى واقعي. أما عن التوافق فقد بدا سطحيا جدا ورقيقا لم يتجاوز الغلاف الخارجي للعملية السياسية، ومختزلا في ارادات شخصية لا تتوفر لها شروط الاستمرار. بل حتى مطالب التضامن الوطني في هذا الظرف الصعب فانها لم تستطع ان تعمّي على عمق الانقسام الحاصل في المشهد السياسي. ولعل البيانات النمطية التي صدرت من هنا وهناك للادانة والشجب، كانت كمن يقول نصف الحقيقة، وانصاف الحقائق ليست الا ضربا من ضروب الكذب. الجميع دعا الى عدم التوظيف السياسي للحادث، لكن الجميع ايضا انتج خطابه الذي يستغل هذا الحدث بشكل فيه الكثير من الانتهازية.
فالحكومة اللّطيمة (فاقدة الاب والام) برزت بعد الحادثة كمن يبحث عن دعم سياسي افتقدته حتى داخل الائتلاف الذي منحها الثقة داخل المجلس فضلا عن المعارضة. فقفزت على الحادثة لتنادي بالوحدة الوطنية في المعركة ضد الإرهاب، وهذا أمر مشروع ومطلوب. التضامن الوطني مطلوب في هذه الظروف الصعبة، لكن لا يجب ان يتحول الى ذريعة للتعمية على تهاون الحكومة وفشلها في الملف الامني مثلما فشلت في بقية الملفات الاجتماعية والاقتصادية. الحكومة ايضا تتحمل مسؤولية الخرق الامني الخطير لجوار مجلس نواب الشعب رمز السيادة الوطنية حسب الدستور الجديد ولا بد من لجنة تحقيق برلمانية في هذا الفشل الامني.
منذ مدة ونحن نستمع لخطاب اعلامي رسمي وشبه رسمي يتحدث عن ضرورة استعادة الكفاءات الامنية التي وقع ازاحتها بعيد الثورة، واليوم يزداد هذا الصوت ارتفاعا بعد عملية المتحف بباردو. وبالفعل لقد شهدنا تعيينات في مواقع امنية رفيعة في وزارة الداخلية لمسؤولين دار حولهم جدل كبير في مواقع التواصل الاجتماعي. وكان كل اعتراض او تشكيك في احد هؤلاء المسؤولين يجابه بحجة الكفاءة والاقتدار، لكن بعد الذي حدث في أربعاء المتحف الأثري تهافتت هذه الحجج. وبان واضحا ان نجاعة العمل الامني ومقاومة التهديدات الارهابية ليس رهين وجود هذا المسؤول او ذاك بقدر ما هو نتاج عملية اصلاح عميقة يجب ان تمس كل المؤسسة الامنية.
من الطبيعي ان تتفشى الخشية على الديمقراطية من التهديدات الارهابية، لكن من المعقول ايضا ان يتضاعف هذا الخوف عندما تتسلل شكوك حول امكانية ان تؤدي مكافحة الارهاب لاجراءات قمعية تكون بدورها سببا لافشال العملية الديمقراطية. هذا ما نراه اليوم في التعيينات العليا في الامن وفي الخطابات الاعلامية المتحاملة والداعية بسرعة للذهاب لاجراءات استثنائية بدعوى حماية الامن الوطني. عندما نرتبك ولا نجد ما نفعل نعود بسرعة لنحتمي بعاداتنا القديمة، وهذا ما بدأ يظهر حتى الان في التعاطي مع ملف الارهاب. غير ان هذه المنهجيات القديمة في الادارة الامنية لملف الارهاب، لو نجحت لما وجدنا انفسنا اليوم في مواجهة هذه المخاطر من جديد.
لقد بقيت وزارة الداخلية ومنذ مرحلة حكم بن علي تستحوذ تقريبا على 15بالمائة من المقدرات المخصصة للتصرف في ميزانية الدولة، وفي ذلك دلالة مباشرة على حجم هذه الوزارة وامتداد نفوذها. فوزارة الداخلية تشمل ثلاث فضاءات كبيرة: الامن، والجماعات المحلية، التنمية. وقد كان سبب هذا التورم في حجم الوزارة مفهوما نظرا للقبضة الامنية الشمولية لنظام بن علي ورغبته في السيطرة على كل مصالح الدولة وادارتها بشكل بوليسي. لكن بعد الثورة لم تحصل اصلاحات جوهرية تعكس فلسفة النظام السياسي الجديد المنفتح في البلاد، ولم تراجع هيكلة الوزارة بما يحرر الدولة من هذه الهيمنة وبما يبني امنا جمهوريا قادرا على انجاز مهامه. فاذا ارادت الحكومة مواجهة الارهاب فعليها ان تفهم انها لا يمكنها ان تنجح في مهمتها بجهاز امني يشكو من ضعف الادارة وتتالي التسريبات السرية الصادرة عن مصالحه والممارسات المخترقة للقانون كالتنسط مثلا، أو يعتمد على "البصاصين" من بقايا المنظومة القديمة ويفتقد للتدريبات المتطورة والتجهيزات الضرورية. تحتاج وزارة الداخلية لادارة سيادية وناجعة ورقابة سياسية شفافة من قبل المجلس النيابي، الامر الذي تفتقده الان. الديمقراطية المستقرة هي ديمقراطية قوية تمتلك الاليات القانونية والهيكلية واللوجستية التي تستطيع من خلالها ان تحمي نفسها، لكن حادثة المتحف بباردو بينت للتونسيين ان ديمقراطيتهم لازالت هشة وقد تكون مستقبلا عرضة لهزات عديدة.
في ظل هذا الوضع الاقليمي المتقلب، وفي ظل القفز على التناقضات الداخلية التي تواجهها التجربة التونسية، وبالنظر لتفاقم التهديدات الارهابية ووصولها لاطوار خطيرة جدا، سيكون على التونسيين مواجهة كل هذا بقدر كبير من الجرأة والشجاعة. لقد عرت عملية باردو الاستقرار الموهوم الذي تبشر به بعض النخب السياسية وعليهم الان العودة لوضع "درابزين" (garde fou) لحماية الطريق الذي وضعوا خارطته الانتقالية، لانه يبدو ان منسوب المخاطر التي تتهدده تتزايد باستمرار.
عملية "اربعاء متحف باردو" تسببت في اضرار بشرية كبيرة، رغم ادعاء الحكومة نجاحها في الحد منها، ونتائج اقتصادية موجعة وخاصة في القطاع السياحي. ولكن كان بمقدورها ان تتسبب في نتائج اخطر لو تمكن الإرهابيان من دخول مجلس النواب والتمترس داخله واحتجاز النواب، لان ذلك سيؤدي لفراغ دستوري اشبه ما يكون بالعملية الانقلابية. ورسائل هذه المجموعات الارهابية التي اعقبت العملية بينت بوضوح انهم لم يكونوا بعيدين عن التفكير في مثل هذه الاشياء، بل وفيها اشارات واضحة الى انه ستكون هناك عمليات قادمة تستهدف المراكز السيادية من اجل تقويض الدولة ومؤسساتها.
أما عن ردود الفعل عن العملية فقد اظهرت اختلال التوازن في الساحة السياسية. وعكست مقولة الوحدة الوطنية المتفشية في الخطاب الاعلامي والسياسي ضعف المعارضة وعدم قدرتها على التعبير عن رؤية مغايرة ولو نسبيا لقراءة الحكومة لمجريات الاحداث. ورغم ان الحكومة اكتفت بتشكيل لجنة للتحقيق الاداري في الحادثة، ورغم ان العملية استهدفت اعلى سلطة في الدولة، الا ان المعارضة لم تستطع ان ترفع صوتها معبرة عن تحميل المسؤولية للسلطة السياسية والمطالبة بمحاسبتها. في حين حصلت عمليات سابقة اقل خطورة من حادثة اليوم راينا خلالها تعبئة اعلامية وسياسية تحمل الحكومة حينها المسؤولية السياسية والقانونية المباشرة عنها.
ومع ذلك فان الاعتداء الارهابي الاخير لن يكون مجرد حادث فنّي او عرضي، لا استتباعات سياسية له، لان الواقع الاجتماعي في تونس يتشكل منذ مدة في استقلالية عما يعبر عنه الوعي السياسي النخبوي في خطابه، وهذا ما قد يضعنا امام سيناريوهات غير متوقعة.
الان بات الشعب التونسي على بينة من قدره، أي مواجهة تحدياته، وان لا جدوى من الهروب الى الامام كما يفعل ائتلاف الحكم بادعاء استكمال شروط الانتقال وانطلاق مرحلة الديمقراطية الناشئة. فهل كنا نحتاج لهذه التضحيات حتى نقتنع بالأمر؟
صحيح هناك تخوفات جدية من الاف التونسيين الذين انتقلوا لسوريا او ليبيا او العراق وانضموا لتنظيم داعش، لكن هل بمستطاع تونس مواجهتهم منفردة؟ وهل يمكنها معالجة هذه المخاطر بغض النظر عن تطور الاحداث في هذه البلدان وخاصة منها الوضع الليبي؟ تبدو الاجابة واضحة عن هذه الاسئلة لكن ما يبدو غامضا بعض الشيء هل تستطيع التجربة الديمقراطية الهشة في تونس ان تبقى وفية لقيمها وقوانينها في محاربتها للارهاب؟ أم أن ثمن الانتصار على الارهاب سيكون خسارة الديمقراطية؟ اذا حصل وتنازلت الحكومة التونسية عن معايير الديمقراطية والحريات وحقوق الانسان في مواجهتها للارهاب، تكون قد خسرت المعركة قبل بدايتها لانها اجابت على توحش الارهابيين بتوحش اخر لا يقل خطورة عنه، الديمقراطية التونسية تواجه امتحانا عسيرا.هل تعي الحكومة التونسية ذلك، وهل تعيره الشأن الذي يستحق؟ ما نسمعه من خطاب اعلامي الى حد الان غير مطمئن وقد قال العرب سابقا: الحرب اولها الكلام.
منذ مدة والارهاب يدق بابنا، ومن قبله ازمة اقتصادية واجتماعية تطل برأسها من نفس المناطق النائية والثائرة باستمرار، وفي عمق هذه التهديدات يسكن نظام سياسي يتحمل المسؤولية الكاملة عن هذا الوضع الحرج الذي نواجهه، ومع ذلك تطالعنا الاخبار عن مصالحة وطنية منشودة وعفو عام عن جرائم النظام السابق، وكأن ساكني قصور الحكم لم يفهموا رسالة التونسيين: المطلوب ان نواجه قدرنا لا ان نلغيه