"ثورة بين انتقالين" - قراءة أولية في المشهد السياسي التونسي بعد الانتخابات الرئاسية
رياض الشعيبي - الامين العام لحزب البناء الوطني
تونس رغم ما أنجزه شبابنا من إطلاق أعظم ثورة في تاريخ تونس الحديث، ورغم خروجه المتتالي في قصبات متعددة، وعلى الرغم من قافلة الشهداء التي لم تتوقف وجحافل الجرحى المتتالية وعذابات السنين الطويلة تحت وطأة الظلم والاستبداد، رغم كل هذه التضحيات فما أنجز حتى الآن لم يرتق إلى الحد الأدنى المقبول سياسيا وشعبيا. وفي نهاية المطاف وجدنا أنفسنا من جديد عند المربع الأول في مواجهة عودة منظومة خلنا أن صفحتها طويت بشكل نهائي.
لقد دخلنا منافسة انتخابية غير عادلة ضد منظومة قديمة تمتلك كل منافذ التأثير من مال وإعلام وشبكات تنظيمية معقدة، ابتدأت عملها منذ أكثر من سنتين، مما مكنها من صناعة رأي عام انتخابي لصالحها، وما توجهت هذه المنظومة للانتخابات إلا بعدما تأكدت من هيمنتها وضمنت مسبقا نتائج الصندوق. وفي الحقيقة لم تكن التجربة التونسية سباقة في هذا المضمار، فلقد كانت التجربة الرومانية على نفس المنوال، إذ عادت المنظومة القديمة في أول انتخابات بعد الإطاحة بتشاوسيسكو في إطار ما أسمته بجبهة الإنقاذ الوطني (نفس التسمية التي اتخذتها المنظومة القديمة في تونس) وبعد توظيفها لكل وسائل النظام القديم من إعلام ومال وعلاقات وأجهزة، أمام قوى سياسية وطنية طوباوية لا تمتلك شيئا من وسائل صناعة الرأي العام. وعندما نرى أن 45 بالمائة من التونسيين قد صوتوا ضد مرشح منظومة الفساد والاستبداد فعلينا أن نتأكد أن منسوب الوعي عال جدا بين التونسيين لأنه مكن هذه النسبة العالية من المواطنين من الإفلات من تأثير الدعاية السياسية السوداء.
لكن ما حصل لا يبرر فقط بعودة المنظومة القديمة، إنما أيضا بضعف الرؤية السياسية للقوى الوطنية الديمقراطية ترويكا ومعارضة. فبينما كانت البلاد تتهيأ لمسار من التحولات الثورية، لم تستطع النخب السياسية خاصة أن تتحرر من لحظة 13 جانفي 2011، وبقيت مقارباتها إصلاحية وشكلانية في اغلب الأحيان واختزلت في نهاية المطاف في شعار الانتقال الديمقراطي ومقتضياته. وبسبب من ضعف ثقافتها السياسية وعدم قدرتها على وضع رؤية مستقبلية واضحة وارتهان أفقها السياسي لما دون أهداف ثورة الحرية والكرامة، اختزلت مطالب اللحظة في استصحاب الماضي بناء على مصالحة غير منجزة.
ربما يستمرئ البعض الآن تبرير هذا الانكسار بالظرف الإقليمي وزحف الثورات المضادة في أكثر من بلد عربي، لكن ماذا فعلنا لتحصين جبهتنا الداخلية أمام الاختراق الخارجي؟ وهل توفرت الإرادة السياسية الضرورية لشق طريق المستقبل لمطالب وأهداف ثورة الحرية والكرامة، واصطدمت بالفعل بإرادة أقوى منها حتى نبرر فشلنا فيما بعد؟
للأسف لم أشعر يوما بمثل هذه الإرادة الجبارة في حكومة الترويكا وفي صفوف المعارضة، بل ما عشناه لا يعدو كونه تصفية حسابات تاريخية بين خصوم إيديولوجيين. وبقيت أصوات الثائرين في كل صف نشازا يثير اشمئزاز صانعي القرار داخل كل تيار سياسي، ولعل حالة الانفصام الحزبي أثناء الانتخابات الرئاسية اكبر مثال على ذلك.
يبقى أن نتساءل الآن: هل أغلق قوس ثورة الحرية والكرامة نهائيا بالنظر لنتائج الانتخابات الأخيرة؟ هل علينا أن نبحث عن أفق ثوري جديد غير الذي ارتسم في السنوات الأخيرة؟
بالنظر للتجارب التاريخية، قد يكون هذا صحيحا، ففي الدول التي عادت فيها الأنظمة القديمة عبر الصندوق لم يتمكن الثوار من استعادة مواقعهم إلا من خلال موجات ثورية ثانية. فبقايا الاستبداد لا تسمح بالصندوق إلا مرة واحدة، عند عبورها إلى الحكم وبعد ذلك تغلق ورائها باب الانتخابات والتنافسية النزيهة بشكل محكم. رأينا ذلك في جورجيا وفي أوكرانيا وفي غيرها من دول الانتقال الديمقراطي في أوروبا الشرقية. ولم تستطع الثورة أن تستعيد أنفاسها إلا بالعودة للشارع مرة أخرى عبر العصيان المدني السلمي. هل قدر الثورة التونسية أن تعود من جديد للشارع لاستكمال مسارها؟
يبقى أن نفهم أن الثورة المضادة الراجعة عبر شرعية الصندوق ستعمل على توفير شروط استمرارها وغلق الباب على كل منافسيها. قد يبدو ذلك منطقيا في ظل شروط شفافة ومناخات سياسية ايجابية وفي إطار ما يضبطه القانون، فكل سلطة منتخبة وديمقراطية حريصة على تقوية مواقعها التنافسية. لكن في ظل هشاشة التجربة التونسية وضعف مؤسساتها وحداثتها وبالنظر للثقافة الاستبدادية وما يطالعنا به الحزب الفائز من مواقف وخطاب إقصائي، كل ذلك سيجعل من هذه المنظومة تشتغل على محورين لتضمن استمرارها وبالتالي مصالحها.
الأول بتضييق الفضاءات العامة وتخويف المعارضين وتحييدهم إعلاميا وسياسيا وان اضطروا لذلك قد يصل الأمر لافتعال قضايا ضد بعض الناشطين ومحاكمتهم. أما المحور الثاني فيتمثل في تعفين الحياة السياسية بإغراقها بالفساد المالي والأخلاقي وضرب أي نموذج قيم يمكن أن يكون ذا مصداقية جماهيرية. أتحدث عن هذه السيناريوهات ليس ضربا بالغيب بل اعتمادا على رصد معطيات بدأت تطفو على الساحة غير خافية على كل متابع ولكن أيضا انطلاقا من دراسات مقارنة مع أنظمة سياسية جنيسة عربية واوروبية اعتبرت نماذج عمل للمنظومة العائدة من جديد للحكم في تونس.
لكن بعض الأصوات المتعالية هنا أو هناك مطمئنة ومتفائلة قد تعترض على هذا المسار في التحليل، فترى أن منجزات المرحلة الانتقالية اقوي من عودة أية قوة سياسية متغولة، وانه لا يزال بالإمكان الرهان على تقدم التجربة الديمقراطية وان الصراع السياسي في المرحلة القادمة سيتركز على وسائل التأثير في الواقع مؤسسات منتخبة وأدوات إعلامية وشبكات علاقات ومجتمع مدني. والبعض منهم يزيد في تفائله بان المرحلة القادمة ستتسم بعدم الاستقرار في المؤسسات السيادية للدولة وبالتالي يمكن أن نجد أنفسنا أمام انتخابات رئاسية وربما حتى تشريعية سابقة لأوانها مما يسمح بإمكانية تعديل موازين القوى لصالح قوى جديدة.
وفي الحقيقة ورغم أن التفاؤل مطلوب في كل الأحوال إيمانا منا بقدرة القوى الحية داخل شعبنا على افتكاك حقوقها السياسية والاجتماعية، إلا أن الرهان على سياسة المصاحبة والمراقبة للمنظومة القديمة العائدة للسلطة حديثا لن يجدي نفعا مع شبكات مصالح نشأت داخل السلطة ومررت فسادها عبرها ولا يمكنها أن تحتفظ بتلك المصالح إلا من خلالها. فحتى إن حصلت انتخابات سابقة لأوانها، فنفس الأدوات السياسية والمالية والإعلامية والتنظيمية وحتى الإقليمية لازالت مستعدة للعب نفس الدور الذي من خلاله أقنعت 55 بالمائة من التونسيين في أن الماضي أفضل من المستقبل.
لم تنتصر أية ثورة في التاريخ بتزييف إرادة الناخبين، بل بتحرير تلك الإرادات عبر إشاعة الوعي بقيم الثورة ولكن أيضا بتحرير الدولة من اغتصاب المستبدين وتمليكها للثائرين. الثورة مشروع ولكل مشروع أهدافه، كذلك كانت الثورة الفرنسية، فإذا تنازلت الثورة عن أهدافها فمن الطبيعي أن تفوز الجماعات الكلبية ولو بالديمقراطية.
لكن بعيدا عن التجاذبات الحزبية التي تبدو إلى حد ما نخبوية وفوقية وحتى متعالية، فان الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمواطن التونسي لا زال يعاني من تدهور المقدرة الشرائية كما تتعمق أزمة البطالة بين الشباب خاصة من خريجي الجامعات حيث سيبلغ خلال السنتين القادمتين النصف مليون إطار عاطل عن العمل. وكذلك وضع الجهات التي انطلقت منها الاحتجاجات التي أدت لإسقاط بن علي سنة 2011، إذ مازالت هذه الجهات تعاني من التهميش والتفاوت غير العادل. ستعجز الحكومة الجديدة عن إيجاد الحلول المناسبة إزاء الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، وستؤدي نفس الظروف الصعبة التي سترافق أزمة الأداء الحكومي إلى ما أدت إليه مناخات 2010 في تونس. فنحن في سيرورة تاريخية بدأت بتصدع عميق في بنية النظام السياسي التونسي الحديث،
وستستمر حتى تفرز التوازنات الطبيعية التي تستجيب لانتظارات التونسيين
![]() |
| حزب البناء الوطني |
